
لسنوات، كنت بتجاهل المبلغ الصغير اللي بيظهر كل شهر في كشف حسابنا البنكي. جوزي كان دايمًا بيقول إنه مجرد خطأ قديم. لكن في يوم، وهو مسافر في شغل، استخدمت مفتاحًا ما كانش المفروض إني ألاقيه أصلًا، واكتشفت سرًا غيّر حياتنا الزوجية للأبد. أنا وجوزي كنا متجوزين بقالنا تقريبًا خمستاشر سنة لما بدأت آخد بالي من المبلغ اللي بيتخصم كل شهر. المبلغ نفسه ماكانش كبير. حوالي ٢٨٠٠ جنيه في الشهر. لكن المشكلة إنه كان بيتخصم بقاله سنين. في إحدى الليالي، كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ براجع الفواتير، بينما كان جوزي، محمود، واقف عند الحوض وبيتصفح موبايله. قلت له: «محمود؟
إيه مخزن النخيل ده؟» إيده وقفت عن الحركة. وقال: «إيه؟» قلت: «المبلغ ده… ٢٨٠٠ جنيه.» بص بسرعة على الورقة، وقال بمنتهى الهدوء: «آه، ده مخزن قديم. فاضي أصلًا، وكنت ناوي ألغيه من زمان.» كان المفروض إن الإجابة دي تكفيني. لكن حاجة في كلامه ضايقتني. لأن لو المخزن فاضي فعلًا، ليه بيدفع إيجاره بقاله أربع عشرة سنة؟ قلت: «أربع عشرة سنة؟» بص لي محمود أخيرًا. وقال: «سلمى، الموضوع مش مستاهل.» قلت: «إنت بتدفع تقريبًا ٣ آلاف جنيه كل شهر على حاجة مش بتستخدمها؟» رد بضيق: «قلت لك نسيت.» بصيت له. «إنت ما بتنساش حاجة.» تنهد وقال:
«ممكن ما نتكلمش في الموضوع ده الليلة؟» استنيت إنه يشرح أكتر. لكنه ما شرحش حاجة. كل اللي عمله إنه خرج من المطبخ، كأني سألته عن جهاز قديم في البيت. بعد كام أسبوع، ظهر الخصم نفسه تاني. المرة دي، ماقدرتش أتجاهله. كان محمود مسافر في رحلة شغل، فقعدت أدور في الأوراق القديمة لحد ما لقيت إيصال من المكان اللي بيأجر منه المخزن. كان مكتوب عليه العنوان ورقم الوحدة. الوحدة رقم ٢١٤. كان فيه صور لملك لحد ما كان عمرها حوالي سبع سنين. وبعد كده، ما بقاش فيه غير الجوابات. جوابات أعياد ميلاد. جوابات رأس السنة. جوابات لمناسبات مهمة محمود ما حضرهاش.
وكان فيه هدية متغلفة ومكتوب عليها: «لعيد ميلادك العاشر.» وواحدة تانية: «لما تتمي ١٦ سنة.» لما بصيت على التواريخ، فهمت إن ملك المفروض دلوقتي تكون في أوائل العشرينات. لما خرجت أخيرًا من هناك، كنت حاسة إني فاضية من جوا. محمود رجع البيت بعد نص الليل بوقت قصير. كنت قاعدة في الصالة، ومفتاح المخزن على الترابيزة قدامي. أول ما شافني، وقف مكانه. وقال بصوت واطي: «سلمى.» قلت: «اقعد.» قعد. قلت: «ابدأ اتكلم.» شبك إيديه قدام بعض. وقال: «ملك اتولدت وأنا عندي ستة وعشرين سنة. أمها اسمها مي. كنا مرتبطين قبل ما أعرفك.» سألته: «كنتوا متجوزين؟» قال: «لأ.» قلت: «مخطوبين؟» قال:
«لفترة.» حسيت بحلقي بيضيق. قلت: «ومافكرتش إن مراتك من حقها تعرف؟» وطبعًا ما ردش بسرعة. قال: «كنت عايز أقولك.» ضحكت بسخرية. «كنت عايز تقول لي… فعلًا؟» نزل عينيه. وقال: «أنا ومي انفصلنا لما ملك كانت صغيرة. كنا بنتخانق على كل حاجة، لكن أنا كنت بحب بنتي. وكان من حقي أشوفها. وبعدها مي اتعرفت على حد تاني وسافرت.» قلت: «وملك راحت معاها؟» هز راسه. «من غير ما تقول لي.» عقدت دراعاتي. وقلت: «ما كانش ممكن ترفع؟» قال: «عملت كده. صرفت سنتين وكل فلوسي تقريبًا. ولما قدرت أوصل لهم، كانت مي اتجوزت واحد تاني. وكانت ملك اتقال لها إني أنا اللي سبتها.» قلت:
«وإنت فعلًا سبتها؟» رفع راسه بسرعة. «لأ! مستحيل أعمل كده.» قلت: «أمال ليه كانت مصدقة كده؟» قال: «عشان كانت عندها سبع سنين.» الإجابة وجعتني أكتر مما توقعت. حط محمود إيده على عينيه. وقال: «آخر مرة شوفتها، سألتني ليه مش هاجي الحفلة بتاعتها. وأنا أصلًا ما كنتش أعرف إن عندها حفلة. مي ما قالتليش. ووعدت ملك إني هاجي المرة الجاية.» وأي حاجة ممكن تساعدنا نوصل لمي أو ملك. أنا اللي كنت بدفع البحث لقدام، لأن محمود كان كل شوية يتراجع. كل ما كنا نقرب، الخوف كان بيخليه يطلع بحجة جديدة. قال لي في إحدى الليالي: «ولو هي عايشة حياة كويسة؟» قلت:
«برضه من حقها تعرف الحقيقة.» قال: «ولو مي قالت لها إني شخص خطر؟» قلت: «ورّيها الأوراق.» قال: «ولو ما ردتش؟» بصيت له. وقلت: «على الأقل تكون حاولت أخيرًا كرجل إنت عليه دلوقتي.» استغرق الأمر منا ثلاثة أسابيع حتى وصلنا إلى ملك، بعد ما تتبعنا آخر عنوان معروف لها، وتأكدنا من بياناتها من خلال المعلومات المتاحة في الأوراق القديمة. كانت عايشة في مدينة تبعد عننا مدينتين فقط. طوال السنين، محمود كان بيكتب جواباته لبنت عايشة على بعد أقل من ساعة من بيتنا. كانت عندها اثنان وعشرون سنة. وكانت بتدرس التمريض.
في الصورة اللي لقيناها، كانت واقفة قدام مستشفى، لابسة زي التمريض الأزرق، وبتبتسم للكاميرا. محمود فضل يبص للصورة كأنه خايف يرمش فتختفي. قال: «اكتبي لها.» قال: «مش عارف أقول إيه.» قلت: «إنت عارف. ابدأ بالحقيقة.» قعد طول بعد الظهر يكتب جوابًا واحدًا. ما لامش مي. وما طلبش منها تسامحه. كل اللي قاله لملك إنه كان بيحبها كل يوم، وإنه حاول يوصل لها، وإنها لو عايزة إجابات، فهو مستعد يقول لها كل حاجة يعرفها. بعد عشرة أيام من إرسال الجواب، ملك ردت. كانت رسالتها قصيرة. «وصلني جوابك. وأنا مش عارفة أصدق إيه. لكن فاكرة الجزمة الحمرا.
لسه عندك؟» محمود حط إيده على بقه. حطيت إيدي على كتفه. وقلت: «قول لها أيوه.» أول مقابلة بينهم كانت في جنينة عامة يوم السبت. أنا اللي وصلت محمود بالعربية، لأن إيده كانت بتترعش بدرجة ما خلتوش قادر يسوق. كانت ملك واقفة جنب مقعد، ماسكة موبايلها بإيديها الاتنين. نزل محمود من العربية، وكان شايل الجزمة الحمرا في كيس ورق. فضلت تبص له فترة طويلة. وقالت: «إنت شكلك كبرت عن آخر مرة فاكرها.» ابتسم ابتسامة مكسورة. وقال: «أيوه.» فضلت أنا قاعدة في العربية. اتكلموا حوالي ساعتين. لما رجع محمود، كان وشه منفخ من كتر العياط. قال:
«هي عايزة تشوف الجوابات.» بعد أسبوع، ملك جت معانا للمخزن ٢١٤. وطلبت مني أكون موجودة. قالت لي: «أنا عايزة أعرف مين كان عارف.» قلت: «أنا ما كنتش أعرف.» فضلت تبص في وشي كام ثانية. وبعدين هزت راسها. «مصدقاكي.» رفع محمود الباب المعدني. دخلت ملك، وفجأة وقفت مكانها. عينيها اتحركت ببطء بين الصور، والكروت، والهدايا المتغلفة، والعلب المرصوصة، والجوابات. وبعدين لمست واحدًا من الكروت القديمة. كان مكتوب عليه: «بابا، أنا بحبك.» همست: «أنا اللي عملت ده.» محمود هز راسه. وقال: «بعد حفلة المدرسة بتاعتك.» قالت: «كنت فاكرة إنك رميت كل حاجة.» قال: «أبدًا.» بصت له، وعينيها اتمليت دموع. وقالت:
«ليه ما جيتش؟» السؤال كسره تقريبًا. لكنه ما حاولش يدافع عن نفسه. قال: «حاولت. وبعدها تعبت وخفت. وخليت حزني يبقى حجة. كان لازم أحارب أكتر. أنا آسف.» بدأت ملك تعيط. ومحمود عيط هو كمان. خرجت بهدوء وقعدت بره، وسيبت لهم اللحظة دي لوحدهم. قبل غروب الشمس، خرجت ملك وهي شايلة العلبة اللي كان مكتوب عليها اسمها. بصت لي. وقالت: «إنتِ فضلتِ معاه بعد ما عرفتي كل ده؟» قلت: «أنا لسه بقرر يعني إيه إني أفضل.» هزت راسها. وقالت: «حقك.» وده كان مجرد بداية. ماكانش فيه لقاء مثالي. ولا معجزة حصلت في لحظة. ملك كانت لسه شايلة جواها غضب.
ومحمود كان شايل سنين طويلة من الذنب. وأنا كان قدامي جواز محتاجة أفكر فيه من جديد. لكن على الأقل، الحقيقة أخيرًا ظهرت. أنا ومحمود بدأنا نروح لاستشاري علاقات زوجية. وهو جاوب على كل سؤال سألته له، حتى الأسئلة اللي كانت مؤلمة. وملك بدأت تزورنا بالتدريج، وبالطريقة اللي كانت هي مرتاحة لها. وقبل نهاية الصيف، كان المخزن ٢١٤ فاضي تمامًا. ملك أخذت الجوابات والجزمة الحمرا. ومحمود احتفظ بصورة واحدة من حفلة المدرسة بتاعتها. أما أنا، فاحتفظت بالمفتاح. مش عشان أفتكر الكذبة. لكن عشان يفضل فاكرني إن الأسرار مش بتحمي العائلات. هي بس بتحبس كل اللي فيها في نفس الأوضة.
وأحيانًا، الباب اللي بنخاف نفتحه أكتر من أي باب تاني… هو الباب الوحيد اللي ممكن يخلّي الحقيقة تخرج للنور.




