روايات

فارسي

في أحد أحياء القاهرة المزدحمة بالطبقة المتوسطة وما دونها، نرى سلاسل من البنايات المتراصة دون تناسق، ملتحمة بعضها ببعض، وكأنها تشد أزرها وتهون عليها آثار هذا الزحام غير المقصود من التكتلات العائلية والأسرية البسيطة. مع اختلاف الألوان والعقائد والمعاملات، حيث الاختلاف النوعي البشري الطبيعي الذي تتميز به بلدنا عن غيرها من البلاد. نعم، تختلف العقيدة واللون والمستويات الاجتماعية منذ سنوات وسنوات، ولكنهم اجتمعوا على حب هذه الجيرة القديمة، والآثار المترتبة عليها من ود وشهامة وتقارب روحي وصلة لا تنفك أن تنقطع أبدًا.

ففيها يطيب السمر باجتماع الأحبة، وتختزل الذكريات الجميلة، وتحلو سنوات الطفولة بكل تفاصيلها التي تأبى الذاكرة على محوها يومًا ما. ومن خلف هذه البيئة انطلق شباب وفتيات في عمر الزهور، في مجالات التعليم والعمل المختلفة، لكل منهم هدف واتجاه وطريق يتخذه سبيلًا لتحقيق طموحاته. ومن هؤلاء الشباب، شاب في مقتبل العمر، ذو ملامح مصرية هادئة وجذابة، تتميز بالثقة والهدوء من أول وهلة.

وقف في ساحة الجامعة ينتظر شخصًا ما في قلق واضح، يدور بعينيه باحثًا عنه وسط التجمعات الشبابية الكبيرة، التي تتهافت لمعرفة نتيجة اختبارات نهاية العام الدراسي، وبالأخص نتيجة الليسانس، التي بذل من أجلها أربع سنوات من الجهد والدراسة، كخطوة على طريق حلمه الكبير. وأخيرًا ظهرت دنيا من وسط الزحام مبتسمة، وأقبلت عليه في لهفة، تهتف به في سعادة واضحة وعينين لامعتين: «نجحنا يا فارس.. نجحنا، نجحنا!» اتسعت ابتسامته وخفق قلبه بشدة، وهو يخطو نحوها بخطوات واسعة متحمسة، ويبادلها الهتاف:

«بتكلمي جد؟ قوليلي بسرعة، تقديري إيه وتقديرك إيه؟» عقدت ذراعيها أمام صدرها، قائلة بابتسامة واسعة: «دفع كام؟» أمسكها من ذراعيها بتوتر، هاتفًا: «قولي بقى، أنا خلاص أعصابي تعبت!» ابتسمت في شغف قائلة: «مبروك يا سيدي، جيد جدًا زي كل سنة.. وأنا طبعًا مقبول زي كل سنة.» ضحك في سعادة كبيرة، وهو يفرك كفيه معًا قائلًا: «الحمد لله، أنا كده حطيت رجلي على أول سلمة.» ضحكت دنيا، بينما أقبلت عليهما فتاة أخرى تمشي نحوهما، وعيناها مثبتتان على فارس وعلى السعادة التي تبدو على وجهه.

وما إن اقتربت حتى قالت بمرح: «مبروك النجاح، من غير ما أعرف النتيجة!» التفت إليها فارس بمرح قائلًا: «الله يبارك فيكي يا عزة.. الحمد لله، جيد جدًا.» قالت بسعادة بالغة: «الحمد لله، أنا كنت متأكدة.» أمسكت دنيا بكف فارس، وظهرت لمحة غيرة في عينيها، وهي توجه حديثها إلى عزة قائلة: «الله يبارك فيكي يا عزة، عقبال ما تباركيلنا على الخطوبة قريب إن شاء الله.» أطرقت عزة برأسها وقالت بهدوئها المعتاد:

«مبروك مقدمًا، عن إذنكم.» التفتت لترحل، ولكنها تذكرت شيئًا مهمًا، فاستدارت مرة أخرى وقالت له: «أنا هروح دلوقتي، وأكيد مامتك هتقابلني وهتسألني عن النتيجة. تحب أقولها، ولا أنت عاوز تكون أول واحد يبلغها خبر النجاح؟» نظر لها فارس بامتنان قائلًا: «قولي لها طبعًا، وهي أصلًا منبهاني أول ما أعرف النتيجة أكلمها على طول.» وأردف مبتسمًا: «إنتِ عارفة بقى خالتك أم فارس مش هتستنى لما أروحلها.» ابتسمت عزة قائلة: «طبعًا عارفاها، زمانها قاعدة مع ماما في البلكونة مستنين اللي يوصل فينا الأول.»

ضحك فارس، وضحكت وهي تلوح مودعة لهما: «يلا أمشي أنا بقى، سلام.. ومبروك مرة تانية.» لوح لها، فأمسكت دنيا يده وهي تقف أمامه وتنظر إليه بشك قائلة: «طبعًا لو قلتلك أنا مش بحب البنت دي، هتقوللي دي جارتي ومتربين مع بعض، ومينفعش ما أكلمهاش.. مش كده؟» قبض على كفها ببطء وهو يقول: «بقولك إيه، سيبيك من الكلام الفاضي ده وتعالي نروح نقعد في أي حتة.» استقلت معه إحدى سيارات الأجرة، وهي تهمس بتذمر واضح:

«كده يا فارس بتركبني ميكروباص؟ ده أنا عندي آخدها مشي أحسن!» أشار لها أن تصمت حتى يترجلا من السيارة. ترجلت دنيا من السيارة بمعاونة فارس، ووقفت أمام الحديقة عاقدة ذراعيها أمام صدرها بحنق قائلة: «هي دي المفاجأة؟ جايبني جنينة زي دي؟» اختفت الابتسامة من محياه، وهو ينظر إليها بحزن قائلًا: «ما إنتِ عارفة يا دنيا، أنا مقدرش على غير كده.» انتظرها تجيبه، ولكنها ظلت عاقدة حاجبيها في ضيق. فأردف قائلًا:

«يعني هتضيعي علينا الساعة اللي خارجينها مع بعض؟ أمشي يعني!» قالت وهي تلوح بعدم رضا: «لا، متمشيش.. أمري لله، يلا ندخل.» جلسا على مقعد أمام النيل مباشرة. التفت إليها ونظر لها بحب قائلًا: «دنيا.. أنا عاوز آجي أتقدم بقى.» التفتت إليه بسرعة قائلة: «لا، مش دلوقتي، لما مرتبك يزيد شوية.» قال فارس: «يا حبيبتي، الدكتور حمدي وعدني أول ما أتخرج هيزود مرتبي على طول، يبقى نستنى ليه بقى؟» قالت دنيا:

«يا حبيبي، مش قصدي.. أنا قصدي يعني نصبر شوية، لما المرتب يزيد ونشوف هنعمل إيه.» نظر لها باستنكار، والتفت إلى النيل مرة أخرى ولم يتحدث. شعرت دنيا بغضبه واستنكاره، فهو دائمًا يظهر في عينيه ما لا يريد البوح به. فقالت مستدركة: «يا حبيبي، افهمني. أنا عاوزاك تصبر لما تشوف تعيينات النيابة. مش جايز حلمك يتحقق وتبقى وكيل نيابة قد الدنيا؟ وساعتها تتقدم بقلب جامد لبابا.» استدار إليها بجسده دفعة واحدة وقال بعصبية:

«إنتِ كمان عاوزانا نستنى تعيينات النيابة؟ يعني ندخل في سنة كمان.. ويمكن أكتر، الله أعلم.» قالت دنيا بتوتر: «طب وفيها إيه يا حبيبي؟ فات الكثير وما بقى إلا القليل.» هز رأسه بحنق وهو يقول: «غريبة أوي! أي بنت مكانك هي اللي تحب ترتبط بالراجل اللي بتحبه. مش عارف ليه إنتِ اللي عمالة تطولي المدة وأنا اللي مستعجل. المفروض العكس يا دنيا.» ثم أضاف: «وبعدين إنتِ كده هتطلعيني صغير قدام مامتك. إنتِ ناسية إني وعدتها أتقدم أول ما أتخرج على طول؟»

قالت دنيا بابتسامة تريد بها امتصاص غضبه: «ملكش دعوة بماما. أنا هفهمها إن التأجيل مني أنا، مش منك إنت.. خلاص يا سيدي، ارتحت؟» هز رأسه نافيًا وقال باعتراض: «لا، ما ارتحتش طبعًا. أنا مش فاهم إنتِ ليه مصممة على التأجيل؟ إنتِ عاوزاني وأنا وكيل نيابة وبس؟ يعني غير كده لأ؟» أخذت دنيا حقيبتها بتردد وهي تقول: «في إيه بقى؟ إنت كل شوية تقوللي كده ليه؟ إنت عارف كويس أوي إني بحبك ومقدرش أستغنى عنك.»
أبتسم بسخرية وقال هامسًا:

“آه، ما هو باين…” ثم نهض واقفًا وهو يقول: “يلا بينا أوصلك علشان أروح أنا كمان، زمان ماما مستنياني بفارغ الصبر.” اقترب فارس من الحي الذي يقطن به، وهو ينظر للأعلى في تساؤل، بعدما شاهد الزينة والأضواء المعلقة في تناغم بين ألوانها المبهجة. قال متعجبًا: “إيه ده؟ هو فيه فرح النهارده ولا إيه؟” استقبله صديقه عمرو وهو يفتح ذراعيه في الهواء مداعبًا: “فارس باشا.. ألف مبروك النجاح.. عقبال النيابة وتبقى باشا رسمي وتشرفنا في كل حتة ونفرح بيك كده.”

ضحك فارس لمداعبة صديقه ورفيقه عمرو، وبادله المزاح قائلًا: “نفرح بيك؟ ده أنت صاحب نكتة صحيح.” صفق عمرو بمشاغبة وقال: “أيوه هنبدأ بقى من أولها.. ماشي يا عم، يحقلك أكتر من كده. بكرة هنقابلك بالحجز وبدفتر المواعيد.” وضع فارس ذراعه على كتف صديقه وهو يقول: “ده أنت حكاية بجد، الناس بتتفرج علينا.. قولي بقى هو فرح مين النهارده؟” قال عمرو وهو يلوح بذراعه: “فرحك أنت يا عريس.. أمك أول ما سمعت الخبر ما سكتتش وقعدت تزغرد، والحبايب بقى صمموا يعلقوا الأنوار دي علشانك.”

ورفع يديه بالدعاء قائلًا: “عقبالي يا رب لما أتخرج كده وأبقى مهندس قد الدنيا.” ثم همس في أذنه: “أم عزة قاعدة مع أمك، وشكلهم كده عاوزين يقربوكم من بعض.” نظر له فارس باستنكار قائلًا: “هما إيه؟ ما بيزهقوش؟ قلت لماما مية مرة أنا بحب دنيا وهتجوزها، ومش هتجوز غيرها، مفيش فايدة.” وقف عمرو ونظر إليه بتفحص قائلًا: “أنت بتتكلم جد يا فارس؟ يعني عزة مش على بالك خالص؟” قال فارس:

“يا ابني ده أنت صاحبي، يعني المفروض عارف كل حاجة عني، بتسألني سؤال زي ده برضه؟” وبمجرد ظهورهما عند بداية المنعطف الذي يجاور منزلهما، بدأ شباب الجيران في التهافت عليه وتهنئته. وبمجرد ولوجه إلى بوابة منزلهم المتواضع، استمع إلى أصوات فرح الجارات من النساء، وأقبلت عليه والدته تقبله وتحتضنه بسعادة بالغة وهي تقول: “مبروك يا حضرة وكيل النيابة المحترم.” ضحك فارس وعمرو، وقال الأخير: “شكله بالكتير أوي هيبقى كاتب.” ربتت أم فارس على كتفه وهي تقول:

“بس يا واد يا عمرو، إيه اللي أنت بتقوله ده؟ طب بكرة تشوف فارس ده هيبقى إيه.” التفت عمرو إلى فارس قائلًا: “شفت يا عم؟ مش لسه كنت بقولك.” انتهت الاحتفالية البسيطة بسرعة، وما إن أغلق الباب على فارس ووالدته وحدهما حتى قالت له مؤنبة: “كده برضه تحرجني قدام أم عزة؟” اقترب فارس من والدته وقبل رأسها قائلًا: “ليه بس يا ست الكل؟ هو أنا عملت إيه؟” نظرت له بعتاب وقالت:

“بقى أقولك عقبالك ما نفرح بيك أنت وعزة، ترد تقول لي: لأ، عزة الأول، لازم أطمن على أختي الأول.. بتتكلم جد يا فارس؟” جلس فارس على أقرب مقعد وهو يبتسم لوالدته قائلًا: “يا حاجة، ما أنتِ عارفة من الأول إن عزة زي أختي، وعارفة أنا ناوي أتجوز مين.” قالت والدته بانفعال وهي تجلس على الأريكة بجواره: “أنت عارف إني مش مرتاحة للبنت دي يا فارس، هتجيبها تعيش معايا هنا إزاي؟”

تقدم نحوها وقبل كفها عدة قبلات سريعة وقال برجاء: “يا ماما، أنتِ عارفة إني بحبها وهي كمان بتحبني، وبعدين يا ست الكل مش أنتِ يهمك سعادتي برضه؟ وأنا مش هبقى سعيد مع واحدة تانية.. علشان خاطري يا ماما، حاولي تتقبليها.” ربتت على رأسه وقالت بحنان: “يا ابني والله يهمني سعادتك وكل حاجة، بس أنا أصلًا مش حاسة إن البنت دي بتحبك زي ما بتحبها، قلبي مش مرتاحلها أبدًا.” رفع عينيه إليها وقال مؤكدًا:

“لا والله يا ماما، أنتِ ظالماها. دنيا طيبة جدًا وبتحبني أوي، بس مشاعرها مش بتبان عليها بسرعة. وبعدين في حاجة متعرفيهاش.” والدته باهتمام: “حاجة إيه؟” التفت حوله وكأنهما ليسا وحدهما في المنزل وقال بصوت خفيض: “عمرو حاطط عينه على عزة، بس شكله كده مستني لما يتخرج هو كمان.” نظرت له تتفحصه وهي تقول: “بتتكلم جد يا فارس؟ هو اللي قالك كده؟” أومأ فارس برأسه وأغمض عينيه في حركة مسرحية وقال بثقة:

“مش لازم يقول لي يا حاجة.. أنا بلقطها وهي طايرة في الهوا.” ربتت على كفه وهي تقول: “تصدق أنا غلطانة إني قاعدة أتكلم معاك. أنا هقوم ألحق صلاة العشاء.” لم تلبث أن نهضت واقفة حتى سمعت طرقات خفيفة على الباب، فغيرت مسارها إليه وهي تقول: “يا ترى مين؟” قال فارس: “استني يا ماما، هفتح أنا.” أشارت إليه أن يجلس مكانه، وهي تفتح الباب وقالت: “مين؟ أم يحيى! تعالى اتفضلي يا حبيبتي.”

ارتبكت جارتها أم يحيى وهي تقول بخجل واضح: “والله آسفة إني رجعت تاني يا ست أم فارس..” ثم أشارت إلى ابنتها الصغيرة وقالت: “بس البنت دي صممت أجيبها علشان تبارك للأستاذ فارس، ومصممة تيجي دلوقتي، مقدرتش عليها يا أختي.” نظرت أم فارس إلى الطفلة الصغيرة في يد والدتها، وهي تفرك عينيها من أثر النوم وتتثاءب، بينما تقول بصوت مرتفع: “فين فارس يا طنط؟” وكزتها أمها في يدها وهي تقول: “قولتلك مية مرة قولي أستاذ فارس.”

دخلت الصغيرة دون استئذان وهي تجذب يد أمها قائلة بمشاغبة: “إحنا متفقين على كده وهو مش بيزعل.” وقف فارس ينظر إليها وهي تحاول ترتيب شعرها وعينيها المنتفختين من أثر النوم، وهي تقول: “مبروك يا فارس.” ضحك وقال مداعبًا: “بقى ده منظر تيجي تباركيلي بيه برضه؟” جذبتها أمها مرة أخرى من يدها وهي تقول لفارس باعتذار: “معلش يا أستاذ فارس، طفلة ومش قاصدة.” قال فارس: “ولا يهمك يا أم يحيى، مهره صاحبتي وتقول اللي هي عاوزاه.”

نظرت مهره إلى والدتها في انتصار وهي تقول: “شفتي؟ مش قولتلك.” اقترب فارس منها ونزل على إحدى ركبتيه وهو يتصنع الغضب قائلًا: “بس أنا زعلان منك يا مهره، لسه جاية تباركيلي دلوقتي؟” قالت باندفاع طفولي: “وأنا مالي؟ ماما سابتني نايمة وجات لوحدها، ولما صحيت صممت أجيلك. شفت بقى أنا جدعة معاك إزاي؟” ثم نظرت لوالدتها مؤنبة وهي تقول: “ماشي يا ماما، بكرة لما أكبر وأنتوا تكبروا، هسيبكوا نايمين وهاخرج لوحدي.”

ضحكت أم فارس وهي تربت على شعر مهره وتحاول إصلاح خصلاته المبعثرة على جبينها، وقالت: “معلش يا مهره، تلاقي ماما مرضيتش تصحيكي علشان عندك مدرسة الصبح بدري.” نظرت إليها مهره بعين مفتوحة والأخرى مغمضة وقالت: “إحنا في الإجازة يا طنط.” قال فارس: “بمناسبة المدرسة يا لمضة، درجات سنة رابعة معجبتنيش. اعملي حسابك السنة الجاية، سنة خامسة، وزي ما سمعنا كده هتبقى خامسة وسادسة مع بعض، يعني مش هقبل أقل من الدرجات النهائية.. ها، هتذاكري ولا هتقضيها كارتون؟”

لوحت في الهواء بطفولية وهي تقول: “طبعًا هذاكر وهبقى أشطر منك كمان، وهجيب درجات أكبر من السنة اللي فاتت، وماما هتعملي حفلة كبييييرة.” وأشارت له محذرة: “وعارف لو مجتش.” قاطعتها والدتها وهي تقول لها: “يا بنتي عيب كده.” ثم نظرت إلى أم فارس قائلة: “البنت لسه مكملتش العشر سنين ومشاغبة، أومال لما تكبر هتعمل فينا إيه؟” ضحك فارس قائلًا لها: “يا ستي، انجحي أنتِ بس وليكي عندي هدية معتبرة.” قالت وهي تمسك بيد والدتها:

“ماشي لما نشوف. يلا يا مامتي.. تصبحوا على خير كلكوا.” دخلت دنيا فراشها وتدثرت، وهي تتذكر ملامح فارس وكلماته الحانية، فابتسمت وهي تغمض عينيها. لكن الابتسامة سرعان ما تلاشت عندما تذكرت لقاءهما الأخير. طرقت والدتها الباب وأطلت برأسها وهي تقول: “نمتي يا دنيا ولا لسه؟” أدارت رأسها تجاه الباب وهي تقول لوالدتها: “لا لسه يا ماما.. في حاجة ولا إيه؟” دخلت والدتها وجلست على طرف فراشها وهي تقول: “عاوزة أتكلم معاكي في موضوع مهم، وكنت مستنية لما باباكي ينام.”

اعتدلت دنيا في فراشها وقالت باهتمام: “خير يا ماما؟” قالت والدتها بصراحة: “بصراحة كده أنا مش عاجبني حالك كده.. والكلام اللي قولتيه لفارس النهارده ده لا هيقدم ولا هيأخر.” زفرت دنيا بضيق وهي تقول: “أنتِ كمان يا ماما؟ وأنا اللي فاكراكي فاهماني.” قالت والدتها: “بصراحة بقى، أنا مش فاهمة تمسكك بيه ده كله ليه. ده في الآخر هيتجوزك مع أمه في شقتها، وفي مكان مش مناسب لطموحاتك. أنتِ لسه في أول العمر والدنيا فاتحة لك أبوابها، ليه تستعجلي في خطوة ممكن تضيّق عليكي؟”

تنهدت دنيا وهي تنظر للفراغ وكأنها تنظر للمستقبل قائلة: “يا ماما، فارس عنده عزيمة قوية. أنا عارفاه كويس ومش هيفضل حاله كده.. هيفضل يجتهد لحد ما يبقى وكيل نيابة.” ثم ابتسمت وهي تقول: “وأنا هبقى مرات البيه وكيل النيابة.” مطت والدتها شفتيها وقالت: “ولحد ما يبقى وكيل نيابة، هتقبلي إنك تعيشي معاه عند أمه؟” رفعت دنيا كتفيها وهي تقول: “لأ طبعًا. أنا قولتله كده بس في الأول، لكن أنا عمالة أأجل الارتباط على قد ما أقدر لحد ما ياخد وضعه.. حتى الخطوبة عاوزة أأجلها لحد ما يتعين.”

ثم نظرت لوالدتها في ثقة قائلة: “يا ماما متخافيش عليا، أنا مش مراهقة.. أنا آه بحبه، بس برضه مش هرتبط بيه غير لما أحس إن المستقبل بقى مضمون، وهيجيب لي شقة تانية في مكان تاني، وساعتها كل حاجة هتتغير للأحسن.” قالت والدتها بعدم تصديق: “عمومًا متخطيش خطوة إلا لما تتأكدي الأول.” عادت الابتسامة إليها مرة أخرى وهي تقول بعينين لامعتين: “متخافيش عليا، أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس.” **الفصل الثاني**

في الصباح استيقظ فارس على صوت والدته وهي توقظه وتهتف به: “قوم يا فارس، تليفون علشانك.” نظر إليها بصعوبة وهو يحاول فتح عينيه قائلًا: “مين يا ماما؟” قالت والدته بتأفف: “السفيرة عزيزة بتاعتك.” ابتسم وهو ينهض من فراشه واتجه مباشرة إلى الهاتف: “ألو.” “صباح الخير يا حبيبي.” “لسه فاكرة؟” “هو أنا لحقت؟ ده أنا لسه سايباك امبارح.” “سايباني طول اليوم وأنتِ عارفة إني مضايق منك، وجاية تتصلي تاني يوم؟” “خلاص بقى يا حبيبي، متبقاش عنيد كده.. يلا بقى البس وانزل، عاوزة أشوفك.”

ابتسم ولكنه صبغ صوته بنبرة جادة قائلًا: “لا، مش قادر أنزل.” “كده برضه؟ يعني موحشتكش؟” “أنتِ فين دلوقتي؟” “أنا في البيت.” “طيب خلاص نتقابل في المكان بتاعنا بعد ساعة.” زفرت بقوة وهي تقول: “يا حبيبي مش هنغير بقى المكان ده؟ تلاقي مامتك ادتك حلاوة النجاح.” قال بحدة: “جري إيه يا دنيا؟ هو أنا عيل ولا إيه؟ إيه حلاوة النجاح دي؟” “طب خلاص متتعصبش كده.. خلاص أوكي، ساعة وهكون هناك.. يلا مع السلامة.”

“سلام.” أغلق فارس الهاتف واتجه إلى الحمام، توضأ وصلى الظهر، ثم بدل ملابسه واتجه إلى المطبخ. وجد والدته تعد طعام الغداء، وعندما رأته قالت بعبوس: “يعني مقولتش إنك خارج النهارده.. أومال أنا بعمل الغدا ده لمين إن شاء الله؟” “هنا.. بس اتغدي إنتِ، متقعديش جعانة لحد ما أرجع.” ربتت على ظهر يده وهو يعبث بالطعام وتقول: “قولتلك مية مرة متحطش إيدك في الأكل كده، استنى أحطلك في طبق.” تناول كوب مياه ليشربه ثم قال:

“لا لا، لما أجي بقى.. مش عاوزة حاجة أجيبهالك معايا؟” قالت والدته: “لا مش عاوزة.” وكانت مهره تقف بجوارها في الشرفة، فقالت لها: “يا بنت، عيب كده، هو خلفك ونسيكي؟” أخذت مهره دميتها ولم تجبها، ودخلت لتكمل لعبتها ببراءة تارة وتضايق أخيها يحيى تارة أخرى. خرج عامر من ورشته عندما سمع صوت فارس واتجه إليه في خطوات واسعة مهنئًا: “مبروك يا أستاذ فارس، معلش ملحقتش أكلمك امبارح، كان عندي زباين واتحرجت أطلعلك فوق.”

ابتسم فارس متفهمًا وقال: “الله يبارك فيك يا عم عامر، ويا رب عقبال مريان ومينا ما يتخرجوا وتفرح بيهم.” عامر مبتسمًا: “طيب مش هاعطلك بقى يا سعادة المستشار.” ضحك فارس بعذوبة قائلًا: “يسمع من بوقك ربنا يا عم عامر.” ثم قال معتذرًا: “عن إذنك أنا بقى علشان مستعجل.” عامر: “اتفضل يا ابني، مع السلامة.” وقبل أن يتحرك سمع جلبة من خلفه وهتافًا يعرفه جيدًا: “يا أستاذ فارس، استنى!” التفت وهو يرفع حاجبيه بمرح للحاج عبد الله الذي أقبل عليه، قائلًا:

“مبروك يا أستاذ فارس يا ابني، والله والله أنا فرحان زي ما يكون ابني هو اللي اتخرج وبقى باشا قد الدنيا.” ضحك فارس مداعبًا: “لسه ما بقيتش باشا يا حاج عبد الله، ادعيلي أنت بس.” وضع الحاج عبد الله يده على كتفه وتكلم بحماس كعادته: “داعيلك يا ابني والله، ربنا يكتبلك الخير مطرح ما تروح يا ابني.” ربت فارس على يده بامتنان قائلًا: “ربنا يتقبل منك يا حاج عبد الله.”

ثم تنحنح قائلًا: “طيب تؤمرني بحاجة؟ أصلي عندي مشوار كده.” أفسح له الحاج عبد الله الطريق قائلًا: “لا يا ابني، اتفضل، متعطلش نفسك. ربنا يجعل في كل خطوة سلامة.” أكمل فارس طريقه بصعوبة، فكلما خطى خطوة أوقفه أحد جيرانه مهنئًا وداعيًا له بالتوفيق. نعم، هذه هي القلوب المحبة التي تمتاز بها أحياؤنا المصرية البسيطة. وقفت دنيا تنتظر ظهور فارس وهي تنظر لساعتها اليدوية في قلق، حتى ظهر أخيرًا قادمًا من بعيد بابتسامته المشرقة الجذابة.

وعندما رآها أسرع الخطى نحوها ووقف معتذرًا: “آسف والله يا حبيبتي، بس أعمل إيه؟ الناس عندنا ما كانتش عاوزة تسيبني، كل شوية حد يوقفني يباركلي ويدعيلي.” عقدت ذراعيها بانزعاج قائلة: “يعني الناس دول أهم مني؟” قطب جبينه بمرح قائلًا: “أنتِ عارفة إن مفيش حد أهم منك عندي.. صح ولا لأ؟” وأمسك يدها وأجلسها على مقعدهما المفضل أمام النيل مباشرة قائلًا: “يعني مردتيش؟” التفتت إليه قائلة: “عارفة يا سيدي.. ارتحت.” ثم أردفت قائلة:

“فارس، أنا ليا عندك طلب.” أومأ برأسه قائلًا: “أؤمريني يا حبيبتي.” قالت بدلال: “أنا عاوزة أجي أشتغل معاك في المكتب.” زفر بضيق قائلًا: “مش إحنا اتفقنا قبل كده إن أنا بس اللي هشتغل؟ أنتِ عارفة يا دنيا شغل المحاماة متعب إزاي، وبصراحة كده بحس إنه مرهق للبنات.”

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى