روايات

ابني

هز راسه وقال: لأن في حاجة في القبر ده مش المفروض تكون موجودة أصلًا.
الجملة دي وقعت عليّا كأنها صاعقة. بصيت له وأنا مش فاهم، وقلت: أيوه بنفس إيدي حطيته هنا يوم الدفنة. إنت بتقول إيه؟
الراجل قرب من القبر أكتر، وانحنى وهو بيبص جوه، وبعدها قال: طب بص تحت الكفن بس اوعى تلمس حاجه.
قلبي بدأ يدق بعنف. قربت رغم إن رجلي كانت بتترعش، وبينما أخويا بيبعد جزء من التراب، ظهر شيء صغير عند طرف القبر: قطعة معدنية صدئة.
مديت إيدي أمسكها، لكن الراجل الكبير صرخ: سيبها!
اتجمدت مكاني وقلت له: ليه؟

بص لي بنظرة غريبة وقال: لأن دي مش من حاجات ابنك.
سكتنا كلنا. أخويا مسك مصباح الموبايل ووجهه ناحية القبر، وفجأة ظهر شيء تاني تحت التراب: سلك معدني طويل ومدبب، نفس الشكل تقريبًا اللي كنت بشوفه كل ليلة في الحلم، الشوكة اللي كانت مغروسة في جنب عمر!
رجعت لورا وأنا بحط إيدي على صدري: يا نهار أسود!
واحد من الرجالة قال: يمكن دي حاجة قديمة مدفونة هنا.
لكن الراجل الكبير هز راسه: لا القبر ده اتفتح قبل كده.
بصيت له بسرعة: إيه؟ مين فتحه؟

ما ردش، فضل ساكت وعينيه على القبر، لحد ما أخويا مسكه من كتفه وقال: اتكلم يا حاج حسن إنت عارف حاجه؟
رفع عينه علينا وقال بصوت منخفض: بعد دفنة عمر بيوم أنا شفت واحد واقف هنا بالليل.
سألته وأنا حابس نفسي: واحد مين؟
قال: معرفش. شكله إيه؟

كان لابس جلابية غامقة وواقف قدام قبر ابنك.
قربت منه: وعمل إيه؟
بلع ريقه وقال: كان بيحفر.
سكت الجميع، أما أنا فحسيت إن الحلم اللي كان بيطاردني كل ليلة بدأ يتحول لحقيقة مرعبة.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، سمعنا صوت خبط خفيف جاي من ناحية القبر: تك تك تك.
كلنا بصينا لبعض، والخبط اتكرر: تك تك تك.
أخويا قال: الصوت ده جاي منين؟
وقتها حسيت إن الدم تجمد في عروقي، لأن الصوت كان طالع من تحت القبر.
فضلنا واقفين مكاننا والخبط جاي من تحت التراب: تك تك تك.

واحد من الرجالة قال بصوت مرتعش: يمكن صوت حجر بيتحرك.
لكن محدش صدقه، لأن الخبط كان منتظم كأن حد بيخبط بإيده.
قربت من القبر وصرخت: عمر؟!
سكت الصوت، اتنفسنا كلنا الصعداء للحظة، لكن بعدها مباشرة سمعنا خبطتين أقوى: دق دق!
انهرت على ركبتي وأنا بقول: ابني هنا أنا عارف إن ابني هنا!
أخويا شدني بعيد وقال: اهدى يا عبد السميع، عمر مات واتدفن قدامنا.
صرخت فيه: أمال مين اللي بيخبط؟!
وفجأة، الحاج حسن بص ناحية طرف القبر ووشه اتغير وقال: استنوا.. وأشار بإيده ناحية التراب اللي جنب القبر.

كان فيه أثر أقدام حديث، والأغرب إن الأثر كان رايح من القبر ناحية سور المقابر، لكن مفيش أي أثر أقدام جاي من الناحية التانية، يعني اللي عمله كان واقف عند القبر نفسه.
الحاج حسن قال بصوت واطي: الشخص اللي شفته بالليل رجع.
بصيت له: إنت شفته إمتى؟ قبل الفجر بيومين. وليه ما قلتليش؟

لأنه لما شافني هددني.
حسيت ببرودة في جسمي: هددك بإيه؟
قرب مني وقال: قال لي بالحرف.. وسكت لحظة ثم أكمل: لو أبو عمر عرف اللي حصل ليلة الحادثة مش هيسكت.
اتجمدت.. ليلة الحادثة؟
أنا طول الفترة اللي فاتت كنت فاكر إن ابني مات في حادث عادي، عربية مسرعة وسواق فقد السيطرة والموضوع انتهى. لكن لأول مرة، بدأ الشك يدخل قلبي.
بصيت للقبر ثم بصيت للحاج حسن وقلت: إنت عايز تقول إن مو.ت ابني مكنش حادث؟
هزّ الحاج حسن رأسه ببطء وقال:

أنا مش بقول كده من دماغي يا عبد السميع، أنا بقولك إن في حاجة حصلت قبل ما عمر يمو.ت.
قربت منه وأنا مش قادر أسيطر على أعصابي: حاجة إيه؟
بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدين قال: يوم الحادثة عمر ما كان لوحده.
الجملة دي خلتني أحس إن الدنيا لفت بيا: يعني إيه مش لوحده؟ قبل الحادثة بساعات، أنا شفته واقف عند أول البلد مع شاب غريب، كانوا بيتكلموا بعصبية.

شاب مين؟ معرفوش، بس عمر كان باين عليه الخوف.
صرخت: وليه ما قلتليش الكلام ده وقتها؟!

لأن بعد الحادثة، لما سألت عن الشاب، محدش عرفه. وبعد دفنة عمر، ظهر نفس الشاب هنا عند المقابر.
نظرت إلى أخي، ثم إلى القبر، ثم عدت للحاج حسن: إنت متأكد إن ده حصل؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارة بتقف عند مدخل المقابر، كلنا التفتنا.
نزل منها رجل في منتصف الثلاثينات، وقف بعيدًا، ولما شافنا عند قبر عمر اتجمد مكانه.
الحاج حسن بص له وشه اصفر فجأة وقال بصوت يكاد لا يُسمع: هو ده.
قلبي وقع في رجلي: هو مين؟
الحاج حسن أشار ناحية الرجل وقال:

انت في الصفحة 2 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى