روايات

ابني

ده نفس الشخص اللي شفته واقف عند قبر ابنك ليلة الحادثة.
الرجل أول ما شافنا، بصّ ناحية القبر وبعدين بصّ للحاج حسن، وفي اللحظة دي حصلت حاجة أغرب من كل اللي شفته، الرجل ما هربش، بالعكس بدأ يمشي ناحيتنا بهدوء.
أنا وقفت قدامه وقلت: إنت مين؟
ما ردش، كرّرّت السؤال بصوت أعلى: إنت كنت فين يوم مو.ت ابني؟
اتغيرت ملامحه وقال: أنا ما كنتش عايز أجي هنا.
صرخت فيه: أمال جيت ليه؟!
بص للقبر وقال: عشان أتأكد إنهم ما عملوش اللي كنت خايف منه.
قلبي انقبض: مين هم؟
رفع عينه ليا وقال:

الناس اللي دفنوا عمر.
صرخت: إنت بتتهمني أنا وأهلي؟!
هز راسه بسرعة: لا أنا مش أقصدك.. وبعدين قرب مني وقال جملة خلتني مش قادر أتنفس: ابنك ما ماتش بالطريقة اللي قالوهالك.
وقبل ما ألحق أسأله، سمعنا صوت ارتطام من داخل القبر، كلنا بصينا ناحية الكفن، والرجل الغريب اتراجع خطوتين ووشه بقى أبيض وقال: افتحوا الكفن.

ليه؟
رد وهو بيبص للقبر: عشان هتلاقي علامة تثبت إن عمر كان لسه عايش لما اتدفن.
سكتنا كلنا للحظة، وكأن الجملة دي شلت الهواء من المكان. بصيت للرجل وقلت: إنت بتقول إيه؟! عمر اتوفى في الحادث قدام الناس!
قال: أنا عارف اللي اتقال بس أنا كنت هناك.
قربت منه وأنا مش قادر أتحكم في نفسي: كنت هناك وشفت إيه؟
بص للقبر وقال: شفت العربية وهي بتخبطه وشفت الناس وهي بتجري عليه.

وماله؟! عمر كان بيتنفس.
حسيت إن الدنيا اسودّت قدام عيني: مستحيل! الإسعاف وصل والدكتور قال إنه لسه فيه نبض ضعيف، لكن قبل ما ياخدوه جه واحد وقال إن حالته انتهت ومفيش فايدة.
صرخت: مين؟!
الرجل سكت. مسكته من هدومه: مين اللي قال كده؟! واحد كان واقف جنب العربية وأنا شفته بعدها بساعات عند المستشفى. تعرفه؟

هز رأسه: لأ، لكن عندي حاجة أخطر.
أخرج موبايله وفتح صورة قديمة ومدّها لي. بصيت للشاشة واتجمدت.
كانت صورة لعمر بعد الحادث، لكن عمر في الصورة كان مفتوح عينيه، وتحت الصورة مباشرة ظهر وقت التقاطها، والوقت كان بعد موعد إعلان وفاة عمر بساعة كاملة!
الصورة فضلت قدامي وأنا مش قادر أصدق اللي عيني شايفاه. قربت الموبايل من وشي وبصيت للصورة مرة تانية، كان عمر فعلًا ملامحه هي، هدومه هي، حتى الجرح اللي فوق حاجبه كان موجود، لكن أكتر حاجة رعبتني إن عينيه كانوا مفتوحين.
قلت للرجل: إنت صورت الصورة دي إمتى بالظبط؟

بعد الحادث بحوالي ساعة. ومين كان معاك؟ محدش. طب ليه ما وريتهاليش وقتها؟
خفض عينه وقال: حاولت بس الموبايل اختفى مني يومها، ولما لقيته كنت خايف أتكلم.. مد إيده وأشار للصورة: بص في الخلفية.
كبرت الصورة، ورا عمر كان فيه باب معدني كبير وعلى الحيطة فوقه رقم واضح: 17.
بصيت للحاج حسن فقال: ده مش مستشفى الحوادث.
الرجل هز رأسه: عارف.

أمال المكان ده فين؟
سكت شوية وبعدين قال: المكان ده موجود جوه المستشفى لكن مش في الجزء اللي الناس بتدخل فيه.
حسيت إن نفسي اتقطع.. عمر كان هناك ليه؟
الرجل قال: دي بالضبط الحاجة اللي بحاول أعرفها من يوم الحادث.
وفجأة، سمعنا صوت عربية تانية عند مدخل المقابر، لكن المرة دي ما كانتش عربية غريبة، كانت عربية المستشفى.
نزل منها رجل كبير في السن، وأول ما شاف الصورة في إيدي وقف مكانه، بص لعمر في الصورة وبعدين بص لي وقال: إنت جبت الصورة دي منين؟

من الراجل ده.
اقترب مني ببطء وقال: الصورة دي ما ينفعش تكون موجودة معاك.

ليه؟
رد بصوت خافت: لأن المكان اللي اتصورت فيه الصورة دي اتقفل من تسع سنين.
بصيت للدكتور وأنا حاسس إن الكلام اللي قاله مستحيل يكون حقيقي: اتقفل من تسع سنين؟ إزاي؟ الصورة دي اتصورت يوم حادث ابني!
الرجل الغريب تدخل وقال: أنا كمان كنت فاكر إن المكان ده مهجور لحد ما شفت عمر جواه.
الدكتور بص له بغضب: إنت ما ينفعش تتكلم عن الموضوع ده.
رد عليه: بالعكس دلوقتي لازم أتكلم.
قربت منهم وقلت: كفاية ألغاز! أنا أبو عمر، ومن حقي أعرف ابني حصل له إيه.
الدكتور سكت لحظات وبعدين قال:

عمر وصل المستشفى وهو مصاب إصابات خطيرة، لكن كان فيه شيء غريب في ملفه. إيه؟ تقرير الاستقبال كتب إن حالته كانت مستقرة نسبيًا في أول دقائق.
حسيت بصدمة: يعني كان عايش؟
هز رأسه: أيوه. طب مات إمتى؟
الدكتور بص ناحية القبر وقال: دي المشكلة.. الوقت الموجود في شهادة الوفاة مختلف عن الوقت الموجود في سجل المستشفى. مختلف قد إيه؟

حوالي ساعة ونصف.
اتراجعت خطوة، الصورة اللي في إيدي كانت بتثبت إن عمر كان موجودًا في مكان مقفول بعد الوقت المفترض لوفاته، لكن قبل ما أستوعب، الرجل الغريب قال: وفي حاجة أهم.
بصيت له: إيه؟
أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها لي، فتحتها وكانت عبارة عن صورة من سجل قديم، وفي أسفل الصفحة كان فيه اسم عمر، لكن بجانبه لم يكن مكتوبًا متوفى، كان مكتوبًا: تم نقله.
رفعت عيني له وقلت: اتنقل لفين؟
الرجل لم يجب.
وفي نفس اللحظة، الحاج حسن صرخ من عند القبر: عبد السميع!

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى