روايات

فارسي

قالت بعناد: “بس أنا عاوزة أشتغل.. وبعدين ما أنا هبقى معاك يا سيدي، إيه اللي هيتعبني؟” رفع حاجبيه بدهشة قائلًا: “يا سلام! يعني لما تيجي تشتغلي والأستاذ يديكي شغل تعمليه، هتقوليله: طب أخد فارس معايا ولا إيه؟ مش فاهم يعني..

أنا مش حابب يا دنيا كل يوم تقعدي تتنقلي ما بين الأقسام والنيابات والمحاكم، والموظف ده يتعامل معاكي بطريقة تضايقك.” قالت بعناد أكبر: “بص يا فارس، أنا كده ولا كده هشتغل. أنا مخدتش الشهادة علشان أفضل قاعدة في البيت.. فقلت أشتغل معاك أحسن ما أروح أشتغل في مكتب تاني. وعلى فكرة جايلي مكتب كويس أوي، لكن أنا فضلت أشتغل معاك.” نظر إلى البحر متأملًا وقال بهدوء: “يعني رأيي مش مهم عندك للدرجة دي؟”

لمست كتفه وقالت بخفوت: “يا حبيبي، إزاي بس تقول كده؟.. بس أنت عارف يا فارس إني لازم أساعد في تجهيز نفسي، وبابا مش هيقدر على الحمل ده كله لوحده، ده أنا لسه مجبتش حاجة في جهازي.” مط شفتيه متبرمًا وشعر بالاختناق وهو يقول: “أنا لو عليا مخليكيش تجيبي حتى الحاجة دي.. لكن مفيش في إيدي حاجة غير مرتبي، وإنتِ عارفة.” قالت بهدوء: “عارفة يا حبيبي، وبكرة الدنيا هتتغير، وحياتنا هتتغير، وهنبقى من طبقة أفضل، وبكرة تقول دنيا قالت.”

وقف الأستاذ حمدي مهران أمام فارس وهو يربت على كتفه قائلًا: “بس كده يا سيدي، خلاص اعتبرها اشتغلت. خليها تيجي من بكرة لو تحب.” قال فارس بامتنان: “متشكر أوي يا دكتور.” ابتسم الأستاذ حمدي وهو يقول باهتمام: “علشان تعرف بس إن نظرتي ثاقبة دايمًا.. قلتلك هتنجح وبالتقدير اللي أنت عاوزه.” قال فارس بسعادة: “طبعًا يا دكتور، وربنا ما يحرمناش من توجيهاتك أبدًا.” اعتدل الأستاذ حمدي في مقعده وهو يقول:

“بس أنا عاوزك تسعى في الماجستير من دلوقتي يا فارس، ده هيخدمك جامد في المستقبل. وعندك مكتبتي هنا في المكتب، استعين بيها زي ما أنت عاوز، يعني مش هتحتاج تشتري كتب من بره.” قال فارس في تفكير: “إن شاء الله يا دكتور، بس أنا دماغي مشغول دلوقتي بحكاية النيابة دي. عاوز أستنى لما أعرف مستقبلي فيها.” الأستاذ حمدي: “فكر تاني في الموضوع ده. حكاية النيابة دي لسه قدامها وقت، وإنت لسه هتاخد دبلومة قبل الماجستير.. استغل الوقت ده وخد الدبلومة لحد ما نشوف موضوع النيابة.”

بدأ عليه التفكير في الأمر وهو ينظر للأمام قائلًا: “خلاص يا دكتور، أنا حطيت الموضوع في دماغي، وإن شاء الله هابتدي أسأل على الإجراءات وإيه المطلوب بالظبط.” أومأ الأستاذ حمدي برأسه مبتسمًا وهو يقول: “خلاص، ولو احتجت أي حاجة ما تترددش تعال لي على طول.” قال فارس: “طيب عن إذن حضرتك.” أشار له أن ينصرف بابتسامة. انصرف فارس إلى مكتبه وجلس إلى مقعده، وأخرج بعض الملفات وبدأ في العمل، ولكن عقله ما زال يدور ويبحث الأمر، ولا يجرؤ أبدًا أن يتطرق إلى نقطة معينة..

وهي احتمال عدم قبوله في النيابة. هو ليس حلمه وحده، وإنما هو حلم والدته ووالده قبل أن يتوفاه الله، بل وجيرانه وأصدقائه جميعهم.. ودنيا. دنيا التي تحلم بأن تصبح زوجة وكيل نيابة، وأن تصعد من طبقتها إلى طبقة أخرى، دنيا التي لا تتوقف عن أحلامها وطموحاتها أبدًا، ولا تقف أمامها أي حدود من أجل تحقيقها. في اليوم التالي، وعند الخامسة مساء، كانت دنيا تقف أمام باب مكتب الأستاذ حمدي مهران، وتخطو فيه أول خطواتها العملية.

تمت المقابلة مع الأستاذ حمدي بنجاح، وبدأت في الاطلاع على القضايا وملفاتها في المكتب المجاور لمكتب فارس في نفس الغرفة. نهض فارس من مكانه واقترب من مكتبها مبتسمًا، وجلس على المقعد المقابل لها قائلًا: “ها.. إيه رأيك في الشغل؟ في حاجة مش فاهماها؟” قالت وهي تنظر بحيرة إلى الملفات التي أمامها: “قول.. في حاجة فاهماها؟” كتم ضحكاته وهو يقول: “معلش، بكرة هتفهمي كل حاجة.” ظلت تنظر إلى الأوراق بعينين حائرتين وهي تقول:

“أنا ما كنتش فاكرة الشغل العملي كده.” قال بجدية: “متقلقيش، إنتِ هتنزلي معايا بكرة المحكمة والشهر العقاري، وواحدة واحدة هتتعلمي.” مطت شفتيها وهي تقول: “بس المجهود ده كله على المرتب ده بس؟” نظر لها باستنكار قائلًا: “ده إنتِ لسه متخرجة، وبصراحة المرتب ده ميحلمش بيه حد لسه متخرج. الدكتور كرمك علشاني.” قالت بحدة: “آه، هو ياخد مبالغ كبيرة وإحنا القليل.” تعجب فارس من طريقة حديثها، وهي التي لم تبذل أي جهد حتى الآن، وقال:

“في إيه يا دنيا؟ ده إنتِ لسه بتقولي يا هادي. وبعدين بصراحة، وبشهادة محامين كتير، الدكتور حمدي بيدي أعلى مرتبات في مكاتب المحامين كلها. وبعدين خلي بالك، إحنا مش بناخد مرتب وبس، لأ، إحنا بناخد كمان خبرته الطويلة، ودي ما تتقدرش بفلوس.” عبثت في الأوراق وهي تقول بلا مبالاة: “والله إنت طيب يا فارس. يلا بقى قولي المفروض بكرة هنعمل إيه بالظبط.” قال بجدية: “قبل ما أقولك على الشغل، عاوز أقولك إني قررت حاجة مهمة جدًا.”

التفتت إليه باهتمام قائلة: “حاجة إيه؟ قول.” قال فارس: “أنا قررت أبدأ في الدبلومة إن شاء الله.” ظهرت الدهشة على وجهها وقالت: “دبلومة! طب والنيابة؟” قال فارس: “يا ستي النيابة لسه قدامها سنة ويمكن أكتر، وأنا زي ما إنتِ عارفة مبحبش أضيع وقت. أنا بقى هستغل الوقت ده وأحضر الدبلومة، ولو النيابة جات مش هخسر، بالعكس، دي هتزودني خبرة في شغلي.” أومأت برأسها بتفكير قائلة: “مش مشكلة، أي حاجة تخلينا نقرب بسرعة معنديش فيها مانع.”

قاطعهم دخول باسم، أحد المحامين العاملين في المكتب، وهو ينادي على فارس بصخب، ولكنه توقف عندما وقع بصره على دنيا الجالسة خلف مكتبها. نهض فارس بسرعة واقفًا وهو يقدمها له قائلًا: “الأستاذة دنيا، أول يوم معانا النهارده.” ابتسم باسم ابتسامة واسعة وهو يتقدم نحوها وقال مرحبًا: “أهلًا وسهلًا، نورتِ المكتب.” صافحته بابتسامة رقيقة، فبدأ في تقديم نفسه قائلًا: “أنا باسم صفوت، محامي هنا وابن خالة الدكتور حمدي.” نظر لها فارس نظرة حادة، فسحبت يدها بهدوء وهي تقول:

“أهلًا بحضرتك.” لاحظ فارس نظراته المتفحصة لها، والتي أشعلت مصافحته لها بداية الغيرة في قلبه، فلم يعد يحتمل نظراته هو الآخر، فقال بعصبية واضحة: “خير يا أستاذ باسم؟ حضرتك كنت عاوز حاجة؟” التفت إليه باسم متعجبًا من عصبيته المفاجئة، ولكن الموقف لم يكن يحتاج للكثير من الذكاء، فعلم على الفور أن دنيا تخصه بشكل أو بآخر. فقال بهدوء: “خلصت الملف اللي اديتهولك امبارح قبل ما تمشي؟” كان يحاول السيطرة على أعصابه ولكنه لم ينجح، فكانت كل ملامحه تنطق بالغيرة.

استدار ليتناول الملف من فوق سطح مكتبه وناوله إياه قائلًا: “أيوه، خلصته. اتفضل.” قلب باسم صفحاته سريعًا وأشار إليه ليتبعه قائلًا: “طب تعالى معايا مكتبي، عاوز أناقشك في شوية نقط فيه.” ألقى عليها فارس نظرة حادة قبل أن يترك الغرفة، وتبع باسم إلى حجرة مكتبه. فركت يدها في توتر، فهي تعلم أن غيرته ستجعل الموقف أكثر تعقيدًا، فهو هكذا دائمًا. في هذه الأثناء دخل محامٍ آخر كانت قد التقت به من قبل، قبل دخولها لمقابلة الأستاذ حمدي، فابتسم لها قائلًا:

“ها، أخبار المقابلة إيه؟ أنا شايف أهو ما شاء الله بدأتي شغلك.” قالت بارتباك: “آه الحمد لله، متشكرة أوي يا أستاذ حسن.” جلس إلى أحد المكاتب وأشار إلى المكتب الرابع والخاوي بجواره: “ده بقى مكتب الأستاذة نورا. هي مجاتش النهارده، بس لما هتتعاملِ معاها هتحبيها أوي.” قالت باهتمام: “هي شغالة معاكوا من زمان؟” أومأ برأسه قائلًا: “آه، بس مش من زمان أوي، أصلها بتشتغل من وهي لسه بتدرس زي فارس كده.”

رسمت ابتسامة مصطنعة وقالت بهدوء: “تمام.. إن شاء الله أستفاد من خبرتها.” تصنعت اللامبالاة وهي تنظر للملفات أمامها قائلة: “واضح إن الأستاذ باسم قديم هنا في المكتب.” قال بسرعة: “طبعًا قديم، ده بقاله عشر سنين هنا، ده غير إنه ابن خالة الدكتور حمدي، وهو اللي ماسك إدارة المكتب تقريبًا.” تابعت حديثها بتساؤل: “طب وده إيه خلاه كل ده ميفتحش مكتب خاص بيه؟” أعجب حسن بفضولها الذي يشبع رغبته في الحديث عن شئون زملائه.

نظر حسن باتجاه حجرة باسم المغلقة وقال بصوت خفيض: “ده ذكاء منه.. لو فتح مكتب هيضطر يجيب محامين وموظفين ويديهم مرتبات، ده غير النور والإيجار وخلافه. لكن كده بيشتغل في القضايا الخاصة بتاعته واللي بياخد أتعابها كاملة.” قالت دنيا: “طب والأستاذ حمدي ميعرفش كده؟” حسن: “عارف طبعًا، بس ميفرقش معاه كتير. وبعدين زي ما قلتلك، الأستاذ باسم هو اللي بيدير المكتب.. أصلًا الدكتور حمدي مش فاضي ومبيجيش كتير.” خرج فارس من مكتب باسم، فوجدها تتحدث مع حسن.

اتجه إلى مكتبه وجلس خلفه وهو ينظر إليها بنظرة عتاب واضحة، مما جعلها تخفي وجهها بين أوراقها حتى لا تنظر إليه. لم يستطع حسن كتم فضوله أبدًا، فقال بسرعة: “هي الأستاذة دنيا تقربلك يا أستاذ فارس؟” نظر له فارس بحدة وقال: “خطيبتي.. ليه؟” ارتبك حسن بسبب عصبية فارس الواضحة وقال: “لا أبدًا، مفيش، بس بسأل.. ألف مبروك.” وبعد انتهاء مواعيد العمل في المكتب، انصرفت دنيا بصحبة فارس، الذي ظل صامتًا وهو يمشي بجوارها، وهي تحاول اللحاق بخطواته الكبيرة.

قالت وهي تحاول جاهدة التقاط أنفاسها: “يا فارس، براحة شوية، أنا بجري علشان ألحقك.” أبطأ من سرعته قليلًا، وظل محتفظًا بصمته. فقالت: “أنا عارفة إنك زعلان مني، بس أنت مش ملاحظ إنك مكبر الموضوع شوية يا فارس؟” توقف فجأة والتفت إليها، وقال بانزعاج: “يعني إنتِ مش شايفة إنك عملتي حاجة غلط؟” ارتبكت وقالت بتلعثم: “يعني كنت أقوله إيه؟ هو اللي سلم وفضل ماسك إيدي.” حاول كتم انزعاجه بقوة وهو يقول:

“يلا علشان أوصلك، أنا مش عاوز أتوتر في الشارع وصوتي يعلى.” ثم نظر لها بجدية قائلًا: “خلي بالك، إنتِ مبتراعيش مشاعري ولا وجودي خالص، وأنا مش هستحمل كده كتير.” حاولت أن تدافع عن نفسها مرة أخرى، ولكنه لم يعطها الفرصة، وأوقف سيارة أجرة لتستقلها إلى منزلها. في اليوم التالي صباحًا، كان ينتظرها عند باب المحكمة. رافقته في رحلته اليومية من المحكمة إلى الشهر العقاري في صمت. لم تحاول التحدث إلا بالقليل، وهو لم يتحدث إلا في العمل فقط، وهو يشرح لها، وهي تحاول حفظ الإجراءات وأماكن المكاتب وأدوارها حتى يسهل عليها التوجه إليها مباشرة عندما تقوم بالعمل بمفردها.

علمت قدر التعب والجهد المبذول في عملهم في مهنة المحاماة، وخصوصًا في بداية الطريق. فالنهار ينقضي هكذا تحت وطأة درجة الحرارة الشديدة في الصيف، بين التنقل بين المحاكم وأقسام الشرطة والشهر العقاري وغيرهم. وفي الليل، خلف مكاتبهم، يبحثون الأوراق ويدققون بها، بالإضافة إلى كتابة المرافعات والمذكرات وغيرها. علمت أن العمل ليس سهلًا أو يسيرًا على الإطلاق، فهي ليست موظفة عادية كما كانت تظن. علمت الآن لماذا كان يقول لها دائمًا إن هذا العمل مرهق.

عندما كان يقول لها ذلك، كانت تشعر بالاستياء، وبأنه يقلل من دورها وطموحها، ولكن بعد أن رأت بعينيها، علمت أنه كان يتحدث عن صعوبة الطريق. فهل تعود إلى بيتها وتنتظر حتى يتم تحديد مصيرها

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى