روايات

فارسي

كان فى طريقه إلى المنزل شارداً غارقاً فى تفكيره، لا يجد حصاة أمام قدميه إلا وركلها يميناً أو يساراً، وكأنها كرة يسددها نحو مرماها… المشوار طويل والجهد ليس قليلاً.. يا ترى يا فتاتى، هل تستطيعين الصبر؟ ماذا سيكون مذاقه على لسانك؟ هل سيحلو لكِ أم ستنفرين منه ومنى؟

سأقدم لكِ ما تريدين، ولكن انتظرينى فقط… فأنتِ تعلمين أننى لست رجلاً كسولاً أو قليل الطموح، ولا أهاب المصاعب… بل أواجهها بهدوء وثبات حتى أصل إلى مرادى… ولكن عندما أصل إلى القمة، هل سأجدك فى انتظارى؟ هل تحبيننى بما يكفى لتنتظرى؟ لست متأكداً مع الأسف… مر بالمنعطف المؤدى إلى بيته، واتجه إليه فى بطء، وهو يحاول إخفاء مشاعره حتى لا تقرأها والدته فى عينيه، فهى تجيد ذلك… ولكنه لم يلاحظ الفتاة التى كانت تقف فى نافذة حجرتها الصغيرة، ترمقه وتتفحصه، وكأنها كانت تنتظره، وقد جفاها النوم حتى تطمئن بعودته.

تنهدت بقوة وهى تراه يلج باب منزله، والتفتت للداخل لتطمئن أن أختها ما زالت غارقة فى نومها كما كانت تظن… فأغلقت نافذتها وأسْدلت ستائرها، واتجهت إلى فراشها، وما إن أسندت رأسها إلى وسادتها وأغمضت عينيها حتى سمعت أختها تقول بخفوت: خلاص اطمنتى إنه رجع؟ فزعت عزة وحدقت فى أختها فى سريرها المجاور، تحاول اكتشاف عينيها فى الظلام، وقالت: أنتِ لسه صاحيه يا عبير؟ نهضت عبير وفتحت المصباح الصغير، الذى ينبعث منه ضوء ضعيف، ووضعت الوسادة على رجليها واستندت إليها، وقالت:

أنتِ بتتعبي نفسك على الفاضى، وهو ولا هو هنا. زفرت عزة بضيق وهى تقول: بطلى الأوهام اللى فى دماغك دى يا عبير، أنا مكنتش مستنية حد… أنتِ عارفة إنى مش بستحمل الحر وكنت واقفة بتهوى شوية فى الشباك. شبكت عبير أصابع كفيها وقالت: على فكرة أنا أختك ها… يعنى مش عدوّتك ولا حاجة، يعنى هترتاحى لما تتكلمى معايا. نهضت عزة وأغلقت المصباح الصغير، وعادت إلى فراشها وهى تقول: نامى يا عبير نامى، وياريت تشيلى الأوهام دى من دماغك.

وضعت عبير وسادتها مكانها، واستراحت على فراشها وهى تقول بهمس: يا ريت يا عزة تكون أوهام فعلاً. فى الصباح، وهو فى عمله، اكتفى بأن يتحدث معها فى العمل فقط، رغم محاولتها للتقرب منه، ولكنه ما زال متحفظاً معها. وقفت فى الطريق فجأة وقالت بإجهاد: خلاص مش قادرة، تعبانة أوى. التفت إليها بقلق قائلاً: استنى، أوقف لكِ سيارة وأروحك، وأبقى أرجع أنا أكمل الشغل. وقبل أن يشير لسيارة أجرة، أوقفته بيدها وهى تقول:

استنى بس، أنت إيه؟ معندكش تفاهم؟ هتشاور للسيارة على طول كده؟ نظر إليها يتفحصها فى صمت، ثم قال: بتمثلى يا دنيا؟ عاملة فيها تعبانة؟ ابتسمت وهى تلمس أصابعه وقالت: أعمل إيه بقى؟ ما أنت مخاصمنى ومش عاوز تدينى كلمة حلوة خالص. حاول أن يخفى ابتسامة ظهرت على شفتيه بصعوبة، ثم تنحنح ليخفيها وقال بجدية: خلاص يبقى يلا نكمل الشغل اللى ورانا. أمسكت ذراعه لتوقفه عن التقدم وقالت بدلال: طب أنا عطشانة، ممكن تشربنى الأول؟

أشاح بوجهه عنها وأخذ يتلفت حوله، ثم قال: تعالى نعدى الشارع. عبرا الطريق، وإذا به يدخلها أحد المحال، ثم اشترى كوبين من العصير وقدم لها واحداً قائلاً: اتفضلى. نظرت إلى الكوب بيده، ثم نظرت إليه قائلة: إيه ده؟ نظر إليها بدهشة قائلاً: إيه؟ مش عارفاه؟ عصير قصب. قالت باستنكار: ما أنا عارفة إنه عصير قصب… بس أنا بقولك تعبانة وعطشانة، تقوم تجيبلى عصير قصب؟ كنت فاكراك هتقعدنى فى مكان هادى أستريح فيه شوية، مش تدخلنى محل عصير قصب.

ظهر الحزن فى عينيه، ونطقت به ملامح وجهه، وقال بيأس: هو ده اللى عندى يا دنيا. مطت شفتيها بامتعاض، وتناولت منه الكوب وشربت منه قليلاً لتروى ظمأها فقط. نظر إليها نظرة طويلة، وكأنه يحاول الغوص فى أعماقها، ولكنه لم يفلح، فهى أصبحت أكثر تمسكاً برأيها من ذى قبل، وأفعالها تبدو متناقضة من وجهة نظره بعض الشىء مع مشاعرها تجاهه. أنهى اليوم بصعوبة، وهو يحاول تجنبها قدر المستطاع، حتى رحل كل منهما إلى مسكنه محملاً بالكثير من التساؤلات.

وصل فارس إلى الشارع الذى يقطن به وقت أذان الظهر، فغيّر وجهته إلى المسجد الذى يبعد قليلاً عن منزله… توضأ ووقف يصلى السنن، وبعد أن انتهى وجد شخصاً يربت على كتفه بحنان قائلاً: إيه يا عم، أنت مخاصمنا ولا إيه؟ التفت فارس إلى صاحب الصوت، والابتسامة تعلو شفتيه، ليصطدم بأحب الوجوه إلى قلبه منذ سنوات كثيرة… فهو صديق قديم له، وكان سبباً فى أن يحرص فارس على صلاته منذ أن كان فى المرحلة الثانوية.

صافحه بحرارة مردداً: مش معقول! الشيخ بلال! واحشنى جداً. نهض الرجلان وتعانقا طويلاً، ثم قال فارس بشغف: أنت كنت فين كل ده يا شيخ؟ ده أنا روحت سألت عليك فى بيتك، الوالدة قالتلى إنك مسافر. اقترب بلال منه وقال: كنت فى ألمانيا. اتسعت عينا فارس لبرهة، فضحك بلال بصوت خفيض قائلاً: إيه مالك؟ اتفاجئت كده ليه؟ اقترب منه فارس هامساً: ليه يا شيخ بلال؟ ده أنت يا إما فى المسجد، يا إما فى شغلك، يا إما فى البيت… خدّوك ليه؟

رفع بلال كتفيه قائلاً: ما أنت عارف بقى، يا فارس… طالما ملتزم وبتخطب فى مسجد، بيكون فيه تدقيق كبير وبتبقى إجراءات كتير. قطب فارس جبينه وهو يقول: حسبى الله ونعم الوكيل… بيحاسبوا الواحد على حاجة مش عملها كده؟ ابتسم الشيخ بلال وهو يقول: سيبك منى أنا، خلاص تعبت من الحكاية دى… ها قولى بقى، أنا سمعت إنك اتخرجت… أولاً ألف مبروك، ثانياً ناوى تعمل إيه بعد التخرج؟ هتكمل فى المكتب ولا هتستنى حلمك الكبير؟

كاد فارس أن يتحدث، ولكن الإمام أقام الصلاة، فوقفا فى الصف وكبرا ليدخلا فى الصلاة. بعد انتهاء الصلاة، جلس كل منهما يتلو الأذكار، ثم خرجا سوياً من المسجد. أخذ فارس ينظر إلى الشيخ بلال بحب وهو يقول: والله أنا مش مصدق إنى شوفتك تانى يا بلال… ده أنت واحشنى جداً والله. قال بلال مداعباً: وأنت والله يا فارس… ها يا عم، مش هتبقى وكيل نيابة بقى علشان تبقى تحقق معايا؟ أهو بدل الغريب برضه.

لم يستطع فارس أن يضحك أو حتى يبتسم، وهو يقول: أنا لو ربنا كرمنى، عمرى ما هبقى ظالم زى اللى بيحققوا معاك ومع غيرك يا بلال. بلال: يبقى أنت لسه على عهدك يا فارس وبتحلم بالنيابة… قولى بقى، شغال مع الأستاذ حمدى ولا سبته؟ فارس: لا، لسه طبعاً شغال معاه، وفى نفس الوقت هستنى التعيينات، وربنا يكتبلى اللى فيه الخير يا بلال… ادعيلى أنت بس. وقف بلال والتفت إلى فارس، ووضع يده على كتفه قائلاً بهدوء:

ربنا يكتبلك اللى فيه خير ليك يا فارس، سواء فى دنيتك أو آخرتك… اسعى واجتهد واحلم، بس لو محصلش نصيب، افتكر دايماً إن الله سبحانه وتعالى لا يأخذ منك إلا ليعطيك… افتكر دايماً الكلام ده. أومأ فارس برأسه وهو يقول بابتسامة: والله واحشنى كلامك يا بلال. كانا قد اقتربا من منزل فارس كثيراً وهما يتحدثان ويتذكران أيامهما السابقة، بينما وقف العم عامر على باب ورشته ينظر إليهما فى ترقب، وهو يقول:

مين اللى مع الأستاذ فارس ده؟ خرج من ورشته واقترب منهما، وتفحص بلال، ثم وقف على مقربة منهما ونادى فارس قائلاً: أستاذ فارس… أستاذ فارس. التفت له فارس بابتسامة، فقال عامر: تعالى لحظة بس. قال بلال وهو يصافح فارس: طب أسيبك أنا بقى يا فارس وأشوفك بعدين. أوقفه فارس بلهفة قائلاً: لا والله، لازم تطلع معايا ونشرب الشاى مع بعض… ثوانى أشوف عم عامر وأرجعلك. توجه فارس إلى عامر ووقف أمامه قائلاً:

خير يا عم عامر؟ فى حاجة ولا إيه؟ قال عامر بقلق: مين ده يا بنى؟ فارس بابتسامة: ده صاحبى من زمان، بس كان مسافر. تابع عامر بنفس القلق: تعرفه كويس يعنى؟ فارس: آه طبعاً، بقولك صاحبى من زمان، بس مكنش بيجى الشارع هنا كتير… كنا بنتقابل فى المسجد. لاحظ بلال نظرات القلق فى عينى عامر، فنظر له وابتسم ابتسامة ودودة. وبرد فعل تلقائى، وجد عامر نفسه يبتسم هو الآخر بدون سبب واضح من وجهة نظره، وقال لفارس:

شكله طيب صاحبك ده. ضحك فارس وهو يربت على كتف عامر قائلاً: وأنت كمان طيب يا عم عامر. والتفت إلى بلال وناداه: شيخ بلال. اقترب بلال منهما محتفظاً بابتسامته، فقال فارس: عم عامر بيسأل عليك يا بلال، أصله عم عامر ده بقى زى شيخ الحارة كده، لازم يعرف اللى داخل واللى خارج. أومأ بلال برأسه قائلاً: طبعاً عارفه من زمان يا فارس. أنا آه مكنتش باجى كتير، بس أنا مبنساش الوشوش بسرعة، وخصوصاً وشوش الناس الطيبة.

ومد يده ليصافحه… صافحه عامر بود، وقد زال قلقه بسرعة، وقال: تعالوا بقى اشربوا معايا الشاى. فارس بسرعة: لا، الشاى ده عندى المرة دى… إن شاء الله هنبقى نعدى عليك بعدين يا عم عامر. بحث بلال فى جيبه عن شىء ما، ووجده أخيراً… أخرج من جيبه زجاجة عطر صغيرة، وقبل أن ينصرف مد يده بها إلى عامر قائلاً: اتفضل يا عم عامر، دى هدية بسيطة كده. نظر لها عامر بدهشة قائلاً:

إيه ده؟ ريحة؟ ابتسم فارس قائلاً: ده اسمه مسك يا عم عامر، وحلو أوى، هيعجبك. قال عامر وهو يتفحص بلال: بس بمناسبة إيه ده؟ قال بلال بهدوء وعينان يشعان صدقاً: بمناسبة إنى اتعرفت على راجل طيب زيك يا عم عامر، وبعدين الرسول عليه الصلاة والسلام قال: تهادوا تحابوا… وأنا نفسى تحبنى زى فارس كده. ابتسم عامر وهو يتناول زجاجة المسك من بلال قائلاً: متشكر يا بنى، ربنا يحميك لشبابك… هديتك مقبولة.

طرق فارس باب شقته، ففتحت والدته وهى تقول: بتخبط ليه؟ ما أنت معاك مفتاح يا فارس. فارس: معايا واحد صاحبى يا ماما. وضعت والدته حجابها على شعرها وهى تقول ببساطة: أهلاً وسهلاً يا بنى، اتفضل. تنحنح بلال وهو يغض بصره قائلاً: أهلاً بيكى يا حاجة، معلش أزعجناكى. أفسحت الطريق وهى تقول بابتسامة طيبة: لا يا بنى، البيت بيتك… اتفضلوا. أخذه فارس إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، وجلس أمامه مبتسماً وهو يقول:

والله زمان يا بلال… ها احكيلى بقى. تنهد بلال وقال: أحكيلك إيه بس؟ ربنا ما يكتبها عليك ولا على حد أبداً… سيبك منى، احكيلى أنت وصلت لحد فين فى الدنيا؟ بدت علامات التوتر على فارس، وكأنه يبحث عن بداية مناسبة لحديثه ويختارها بعناية، وبدأ يقص على بلال ما يشعر به قائلاً: مش عارف يا بلال، من ساعة ما اتخرجت لحد دلوقتى فى حلمين مش متأكد إنهم هيتحققوا… النيابة ودنيا. رفع بلال حاجبيه باهتمام وقال:

طب النيابة وعرفناها… مين دنيا؟ قال فارس بحرج: دى بنت اتعرفت عليها فى سنة رابعة و… وحبيتها. ابتسم بلال وهو يقول: طب ومحرج كده ليه؟ أنت فاكرنى هقولك الحب حرام يعنى؟ زاد حرج فارس وخجله من صديقه، وهو يقول: لا، أصل أنا مش بحبها من بعيد لبعيد يعنى… أنا… أنا بقابلها وبنخرج سوا. ثم بدأ فى الدفاع عن نفسه بسرعة قائلاً: بس والله أنا قابلت والدتها ووعدتها إنى هتقدملها بعد التخرج، لولا دنيا هى اللى رفضت وقالت نأجل الحكاية لبعد النيابة.

أطرق بلال لحظات، ثم رفع رأسه بهدوء وقال: كمان هى اللى رفضت وطلبت التأجيل؟ نظر له فارس بصمت ولم يتكلم، فتابع بلال حديثه: وأنت فاكر لما تخطبها هتبقى خلاص العلاقة بينكم مناسبة لكل حاجة؟ ظهرت علامات عدم الفهم على وجه فارس وهو يقول: يعنى إيه يا بلال؟ دلك بلال لحيته، وهو يتفحص علامات التوتر على وجه فارس، ثم قال بهدوء: التوتر اللى على وشك ده حاجة كويسة… ده دليل إنك مدرك إن فيه حاجات محتاجة مراجعة. فارس يا حبيبى، لو بتحبها، خليك واضح معاها وحافظ على الحدود المناسبة.

رفع فارس رأسه إليه باستنكار قائلاً: أسيبها إزاى؟ أنا بحبها يا بلال وناوى على الجواز، مش بلعب بيها ولا بعمل حاجة غلط معاها. بلال: وإنت بتعمل معاها إيه صح يا فارس؟ فارس: مش فاهمك. نهض بلال واقفاً وجلس بجوار فارس وقال بجدية: أنت بتقابلها يا فارس، مش كده؟ فارس: أيوه. بلال: يعنى بتبصلها، مش كده؟ ولا بتكلمها وأنت باصص الناحية التانية؟ قال فارس بارتباك: أيوه، ببصلها. بلال: طب إذا كان ربنا سبحانه وتعالى قال: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم»، يبقى أنت كده محتاج تراجع تصرفاتك ولا لأ؟

أطرق فارس برأسه وقال بخفوت: أيوه، محتاج أراجع نفسى. استطرد بلال حديثه قائلاً: هسألك سؤال كمان… طبعاً بتمسك إيدها؟ فارس: أيوه.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى